أحمد مصطفى المراغي
42
تفسير المراغي
كان خطأ في اجتهاد بنية صالحة ، وعدّ هذا ذنبا ، لأنه ما كان ينبغي لمثله من أرباب العلم الصحيح اللائق بمنزلته من ربه ، ومثل هذا الاجتهاد لم يعصم منه الأنبياء ، فهم يقعون فيه أحيانا ليشعروا بحاجتهم إلى تأديب ربهم وتكميله إياهم حينا بعد حين . ( 2 ) إنه لا علاقة للصلاح بالوراثة والأنساب ، بل يختلف ذلك باختلاف استعداد الأفراد وما يحيط بهم من البيئة والآراء والمعتقدات ، ولو كان للوراثة تأثير كبير لكان جميع أولاد آدم سواء ، ولكان سلائل أبناء نوح المؤمنين الذين نجوا معه في السفينة كلهم مؤمنين . ( 3 ) إنه تعالى يجزى الناس في الدنيا والآخرة بإيمانهم وأعمالهم ، لا بأنسابهم ، ولا يحابى أحدا منهم لأجل الآباء والأجداد وإن كانوا من الأنبياء والمرسلين . ( 4 ) إن من يغترّ بنسبه ولا يعمل ما يرضى ربه ، ويزعم أنه أفضل من العلماء العاملين والأولياء الصالحين ، فهو جاهل بكتاب ربه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . ( قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ) أي قال الذي بيده ملكوت كل شئ ومدبر أمر العالم كله لنوح ، بعد أن انتهى الطوفان ، وأقلعت السماء عن المطر ، وابتلعت الأرض ماءها وصارت السكنى على الأرض والعمل عليها سهلا ممكنا : يا نوح اهبط من الجودي الذي استوت عليه السفينة ، ممتّعا بسلام وتحية . منا كما قال تعالى « سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ » وبركات في المعايش والأرزاق تفيض عليك وعلى من معك في السفينة وعلى ذريات يتناسلون منهم ويتفرقون في الأرض فيكونون أمما مستقلا بعضها من بعض ، ومنهم أمم آخرون من بعدهم سنمتعهم في الدنيا بالأرزاق والبركات ، ولا يصيبهم لطف من ربهم ورحمة منه كما يصيب المؤمنين ، فإن الشيطان سيغويهم ويزين لهم الشرك والظلم والبغي ، ثم يمسهم العذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، لأنهم لا يحافظون